عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
356
اللباب في علوم الكتاب
لما باعوا به أنفسهم ، وهذا أحسن من تقدير أبي البقاء : لو كانوا ينتفعون بعلمهم لامتنعوا من شراء السحر ؛ لأن المقدر كلما كان متصيّدا من اللفظ كان أولى . والضمير في « به » يعود على السحر ، أو الكفر ، وفي « يعلمون » يعود على اليهود باتفاق . قال الزمخشري « 1 » : فإن قلت : كيف أثبت لهم العلم أولا في : « وَلَقَدْ عَلِمُوا » على سبيل التوكيد القسمي ، ثم نفاه عنهم في قوله : « لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » . قلت : معناه : لو كانوا يعملون بعلمهم ، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه ، وهذا بناء منه على أن الضميرين في « علموا » و « يعلمون » لشيء واحد . وأجاب غيره على هذا التقدير بأن المراد بالعلم الثاني العقل ؛ لأن العلم من ثمرته ، فلما انتفى الأصل انتفى ثمرته ، فصار وجود العلم كالعدم حيث لم ينتفعوا به كما سمى اللّه - تعالى - الكفا ر « صما وبكما وعميا » إذ لم ينتفعوا [ بهذه الحواس ] « 2 » أو يغاير بين متعلّق العلمين أي : علموا ضرره في الآخرة ، ولم يعلموا نفعه في الدنيا . وأما إذا أعدت الضمير في « علموا » على الشياطين ، أو على من بحضرة سليمان ، أو على الملكين ، فلا إشكال لاختلاف المسند إليه العلم حينئذ . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 103 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 103 ) قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا « لَوْ » هنا فيها قولان : أحدهما : أنها على بابها من كونها حرفا لما كان سيقع لوقوع غيره ، وسيأتي الكلام في جوابها ، وأجاز الزمخشري رحمه اللّه تعالى أن تكون للتمني أي : ليتهم آمنوا على سبيل المجاز عن إرادة اللّه إيمانهم ، واختيارهم له ، فعلى هذا لا يلزم أن يكون لها جواب ، لأنها قد تجاب بالفاء حينئذ ، وفي كلامه اعتزال . و « أَنَّهُمْ آمَنُوا » مؤول بمصدر ، وهو في محل رفع ، [ وفيه قولان ] « 3 » أحدهما - وهو قول سيبويه - : أنه في محلّ رفع بالابتداء ، وخبره محذوف تقديره : ولو كان إيمانهم ثابت ، وشذّ وقوع الاسم بعد « لَوْ » ، وإن كانت مختصة بالأفعال ، كما شذ نصب « غدوة » بعد « لدن » . وقيل : لا يحتاج هذا المبتدأ إلى خبر لجريان لفظ المسند والمسند إليه في صلة « أنّ » . وصحح أبو حيّان هذا في سورة « النساء » وهذا يشبه الخلاف في « أن » الواقعة بعد « ظنّ وأخواتها » ، وتقدم تحقيقه .
--> ( 1 ) ينظر الكشاف : 1 / 173 . ( 2 ) في أ : بحواسهم . ( 3 ) في ب : واختلف في ذلك على قولين .